عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
158
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
فأنزل اللّه تعالى هذه الآية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [ الأنعام : 26 ] فأخبره النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك وأنشد أبو طالب : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * أبشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ( عجيبة ) ولا عجب من أمر اللّه تعالى رأيت في كتاب شرف المصطفى أن تبعا الأول خرج من بلاده ينظر في الدنيا بعسكر كثير ومعه جماعة من الحكماء فلما قدم مكة أعرض عنه أهلها فغضب عليهم وعزم على هدم الكعبة وقتل الرجال وأخذ الأموال والنساء فخرج من أذنيه وأنفه ماء له ريح كريه فسأل الحكماء عن ذلك فقالوا : نحن نعالج أمراض الدنيا إلا أمراض السماء فلما كان الليل قال أحد الحكماء للوزير : إن أخبرني الملك بما نواه عالجته فأخبره بذلك فقال ارجع عن هذه النية ففعل فانقطع الماء فآمن باللّه من ساعته وستر الكعبة وهو أول من كساها ثم خرج نحو يثرب فنزل على عينها فاجتمع رأي الحكماء على الإقامة بها فبلغ الملك ذلك فسألهم عن هذه البرية فقالوا سيكون في هذه البقعة خير كثير يسكنها نبي آخر الزمان اسمه محمد مولده بمكة وهجرته إلى هاهنا فبنى له أربعمائة دارا وكتب كتابا يا محمد آمنت بك وبربك وأنا على دينك فإن أدركتك فذلك الذي أريد وإلا فاشفع لي يوم القيامة فإني من أمتك الأولين ودفع الكتاب إلى الحكيم الذي سأله عن نيته ورجع إلى الهند فلم يزل الكتاب محفوظا عند الحكيم ثم أولاده وأولاد أولاده إلى أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه فلما هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم ونزل في دار أبي أيوب دفع الكتاب إليه فقرأه علي رضي اللّه عنه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : مرحبا بالأخ الصالح ثم نظروا في تاريخ الكتاب وقدوم النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجدوه ألف عام . ( فائدتان : الأولى ) ليس هذا من المخضرمين لأن المخضرم من آمن بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في زمانه ولم يره كأويس القرني رضي اللّه عنه وأبي مسلم الخولاني رضي اللّه عنهما والصحابي مؤمن مميز بشر لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم في عالم الشهادة ولو بعد موته قبل دفنه فجبريل ليس صحابيا لأنه ليس من البشر ومن رآه في النوم كذلك أي ليس صحابيا لأنه ما رآه في عالم الشهادة ، والتابعي من لقي أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيمن يرى عيسى عليه الصلاة والسلام بعد نزوله المرة بعد المرة الأولى نظر واحتمال والنزول أول مرة بعد أن مكث في السماء سبعة أيام كان بسبب امرأة صالحة اسمها مريم كانت بقرية من قرى أنطاكية وبها علة الاستحاضة فأخبره اللّه تعالى بكثرة بكائها على عيسى وشدة حزنها عليه فجاءت من خلفه ووضعت يدها على ظهره فقال عيسى عليه الصلاة والسلام : لقد مسني ذو عاهة بنية صالحة فأذهب اللّه علتها ثم رفع اللّه تعالى عيسى إلى السماء ليلة القدر من بيت المقدس وكساه اللّه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا فهو يطير مع الملائكة حول العرش .